ما هكذا نقرأ !!! ـ
لعل من نافلة القول أن نقول : إن ظهور اللحن في لسان العرب
كان في عصر الإسلام الأول ، وذلك بسبب اختلاط العرب بالعجم
ودخول الناس في دين الله أفواجا ، ولقد بدا ذلك واضحا جليا
في عهد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حينما وجد رجلا يقرأ
فيلحن في قراءته فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ موجها وناصحا : أرشدوا أخاكم فإنه قد ضلّ ، هذا إن صحت الرواية والحديث وهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ يمر على قوم يتعلمون الرمي فيعيب عليهم رميهم فما كان منهم إلا أن زادوا الطين بلّة بردهم عليه بقولهم :إنا قومٌ متعلمين
فيقول مغضبا : والله لخطؤكم في لسانكم أشد علي من خطئكم في رميكم !!! ، ولاغرابة فهذا أمير المؤمنين أبو بكر الصديق ـ رضي الله ـ عنه يرى أن سقوطه من فوق دابته أحبّ
إليه من سقوطه وهو يقرأ لذا نراه يقول : لأن أركب فاسقط أحب إلي من أقرأ فأسقط ( فألحن ) ، ومما يدل على كراهيتهم للحن أيضا أن رجلا جاء إلى صحابة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ، ورضي الله عنهم ـ يسألهم أن يُقرِئوه مما أُنْزِل على محمد ، فقرؤوا له من أول سورة التوبة إلى أن بلغوا قول الله تعالى
{ أََنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ } وقد قرؤوا كلمة ( رسوله ) بكسر اللام ، فقال الأعرابي : وأنا أبرأ مما برأ الله منه
أبرأ من المشركين ومن رسوله ، فلما علم ابن الخطاب ـ رضي الله عنه لحق بالرجل وقال له : ما هكذا نقرأ يا أخا العرب ، فقال الأعرابي : وكيف تقرؤون ؟؟ فقرأ له عمر ـ رضي الله عنه ـ بضم اللام من كلمة ( رسوله ) ، أي : ورسولُه كذلك يبرأ ، فقال الرجل
وأنا الآن أبرأ مما برأ الله ورسولُه منه ، أبرأ من المشركين ، ونطق بالشهادتين ، وهذا الذي حدا بعمر ـ رضي الله عنه ـ أن يطلق مقالته : تعلموا العربية فإنها من دينكم ... ، ولعل مما يندى له الجبين في عصرنا الآن ضياع اللغة بين أهلها سواء
أكانت مقروءة أم مكتوبة فلا نجد أحدا يكتب أو يقرأ فلا يلحن إلا من رحم ربي ، وهذا مما عمت به البلوى ، ولعل الطامة الكبرى تكمن في استنكاف الأغلبية العظمى من أن تُصوَّب لهم
أخطاؤهم ، أو تُهدَى إليهم عيوبُهم ، ومما يؤسف له فإن بعضا من هؤلاء الذين يستنكفون يدّعون أنهم حملة رسالة ، بل ويأخذون على عاتقهم حمل أمانة الكلمة، بل ومما يؤسف له أيضا أن بعضا منهم يعمل على رأس مؤسسات تربوية من أجلّ أهدافها
إتقان القراءة والكتابة ، والذود عن حياض اللغة لغة القرآن الكريم والذي تكفل الله ـ تعالى ـ بحفظه
ـ{ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَوَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }ـ
وإني لأتساءل منكرا على هؤلاء وهؤلاء متى نقوّم اعوجاج ألسنتنا ؟! بل ومتى نفرح عندما تُهدَى إلينا عيوبُنا ؟؟!!ولله در حافظ حيث يقول على لسان اللغة سقى الله في بطن الجزيرة أعظما : يعز عليها أن تلين قناتي والله من وراء القصد ، وهو يهدي السبيل
....
|