|

أحوال القلب
ولما كان القلب يوصف بالحياة وضدها ,فالقلب هو العالم بالله ,المتقرب إلى الله وهو العامل لله والساعي إليه ,المقبول عند الله تعالى إذا سلم من غير الله,وهو المحجوب عن الله إذا صار مستغرقاً بغير الله ,وهو المطالب , المخاطب ,المعاتب وهو الذي يسعد بالقرب من الله فيفلح إذا زكاه ويخيب ويشقى إذا دنسه ودساه ، وهوالمطيع لله تعالى وإنماالذي ينتشر على الجوارح فمن انواره.
وللقلب أحوالٌ ثلاثة
1=قلب صحيح سليم: وهو الذي ينجو يوم القيامة قال الله تعالى: ((يوم لاينفع مالٌ ولابنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم)) الشعراء 88-89
قلبٌ عُمِّر بالتقوى ،وزكِّي بالرياضة (ترويض النفس على الطاعة) وطُهِّر عن خبائث الأخلاق ,فصارت السلامة صفة ثابتة له. التطهير عن الخبائث هواول مايكون ثم التزكية برياضة النفس والذي ينتج عنهما عمارة القلب بالتقوى وهو آخر المراتب (ففي هذا القلب يشرق نور المصباح من مشكاة الربوبية) فالقلب بمنزلة القنديل وعلى قدر رقته ولطيف جوهره وصفائه عن كدره وحسن طهارته عن الأكدار تكون العلوم الحسنة فيه والأنوار, وجوهر الزجاجة يحتاج إلى صفاء الماء كما أن صفاء الماء يحتاج إلى صفاء الجوهر ومعيارهما يكون القلب والعقل ،ووقود النار يحتاج إلى قوة الفتيلة فموضعهما في القوة يكون العلم بالله تعالى واليقين. وهذا القلب بعد طهارته من المهلكات وأعظمها ( الجهل والطمع وحب الدنيا) يصيرمعموراً بالمنجيات (الإخلاص ,التوكل ،التوبة ،الصبر والزهد) والقلب السليم :هو القلب المطمئن المراد بقوله تعالى : (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) الرعد \28
قلب قد أقبل الله عليه بوحهه فسلبه عن ان يكون مستكيناً لغيره سبحانه وتعالى. والنفس المطمئنة مخرجها من هذا القلب الذي يتكون من سكون إلى سكون.قال الله تعالى( ياأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية) الفجر 27
2=قلب مخذول (ميت): لاحياة به,مشجون بالهوى مندس بالخبائث ملون بالأخلاق الذميمة ,فيقوى فيه سلطان الشيطان لاتساع مكانه ويضعف سلطان الإيمان ويمتلئ القلب بدخان الهوى ,فيعدم النور ويصير كالعين الممتلئة بالدخان ,لايمكنها النظر ولايؤثر عنده زجر ولاوعظ فهذا القلب لايعرف ربه ولايعبده بأمره ومايحبه ويرضاه بل هو واقف مع شهواته ولذاته ولو كان فيها سخط ربه وغضبه ،فهو متعبد لغير الله ,حباً وخوفاً ورجاءً ورضاً وسخطاً وتعظيماً وذلاً. إن أحب أحبَّ لهواه وإن أبغض أبغض لهواه وغن اعطى اعطى لهواه وإن منع منع لهواه ,فهو آثر عنده واحب إليه من رضا مولاه,فالهوى إمامه والشهوة قائده والجهل سائقه والغفلة مركبَه ,فهو كما قيل في ليلى :عدوٌ لمن عادت وسِلمٌ لأهلها .... ومن قرّبت ليلى أحبَّ وقرَّبا
وقال تعالى: (أرأيت من اتخذ الهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا. أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم كالأنعام بل هم اضل سبيلاً)الفرقان
قال تعالى: (سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لايؤمنون) يس
فكل ذلك لتصاعد دخان الهوى إلى القلب حتى يظلم وتنطفئ منه أنواره فينطفئ نور الحياء والمروءة والإيمان ويسعى في تحصيل مراد الشيطان.
3=قلب له حياة وبه علة: فله مادتان ,تمده هذه مرة وهذه اخرى,وهو لما غلب عليه منهما ,ففيه من محبة الله تعالى والإيمان به والإخلاص له والتوكل عليه ماهو مادة حياته وفيه من محبة الشهوات وإيثارها والحرص على تحصيلها والحسد والكبر والعجب وحب العلو والفساد في الأرض بالرياسة ماهو مادة هلاكه وعطبه وهو ممتحن بين داعيين:
أ= داعٍ يدعوه ألى الله ورسوله والدار الآخرة
ب= داعٍ يدعوه إلى العاجلة
وهو إنما مجيب أقربهما منه باباً وأدناهما إليه جورا فهو قلب يبتدئ فيه خاطر الهوى فيدعوه إلى الشيء فيلحقه خاطر الإيمان فيدعوه إلى الخير.. مثاله: أن يحمل الشيطان حملة على العقل ويقوي داعي الهوى ويقول : أما ترى فلاناً وفلاناً كيف يطلقون نفوسهم في هواها حتى يعدّ جماعة من العلماء,فتميل النفس إلى الشيطان فيحمل المَلك حملة على الشيطان ويقول:هل لك إلامن نسي العاقبة فلاتغتر بغفلة الناس عنهم,أرأيت لو وقفوا في الصيف في الشمس ولك بيت بارد اكنتَ توافقهم أم تطلب المصلحة؟أفتخالفهم في حر الشمس ولاتخالفهم فيما يؤول إلى النار؟
فتميل النفس إلى قول المَلك ويقع التردد بين الجندين إلى ان يغلب على القلب ماهو أولى.. فمن خلق للخير يُسر له,ومن خلق للشر يُسر له قال تعالى:( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يُضله يجعل صدره ضيقاً حَرجا كأنما يصعَّد إلى السماء) الأنعام -125
فالأول: حي مخبت لين واع ...الثاني: يابس ميت ...والثالث: مريض والشاهد على ذلك قوله تعالى: (وماأرسلناك من قبلك من رسولٍ ولانبيّ إلا إذا تمنّى ألقى الشيطان في امنيته,فينسخ الله مايُلقي الشيطان ثم ُيحكم الله آياته والله عليم حكيم . ليجعل مايلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم ،وإن الظالمين لفي شِقاق بعيد . وليعلم الذين أوتوا العلم انه الحق من ربك فيؤمنوا به فتُخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراطٍ مستقيم)
الحج ,,,فجعل الله تعالى القلوب في هذه الآيات ثلاثة : قلبين مفتونين وقلباً ناجياً فالمفتونان: القلب القاسي والذي فيه مرض والناجي هو القلب المؤمن المخبت إلى ربه,المطمئن إليه الخاضع له المستسلم المنقاد..فالقلب السليم الصحيح: ليس بينه وبين قبول الحق ومحبته وإيثاره سوى إدراكه فهو صحيح الإدراك للحق,تام الانقياد والقبول له أما القاسي فلايقبله ولاينقاد له والمريض : إن غلب عليه مرضه التحق بالميت القاسي وإن غلبت عليه بصحته التحق بالسليم قال ابوحذيفة اليمان رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تُعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عوداً عودا, فأي قلبٍ أشربها نُكتت فيه نكتة سوداء وأي قلب انكرها نُكتت فيه نُكتة بيضاء ,حتى تعود القلوب على قلبين:قلب أسود مُرباداً كالكوز مُجخياً لايعرف معروفاً ولاينكر منكراً إلا ماأُشرب من هواه، وقلب أبيض لاتضره فتنة مادامت السماوات والأرض) رواه مسلم في صحيحه
فشبِّه عرض الفتن على القلوب شيئاً فشيئاً كعرض عيدان الحصير وهي طاقاتها شيئاً فشيئاً وقسّم القلوب هنا عند عرضها على الفتن إلى قسمين:
أ= قلب إذا عرضت عليه فتنة أُشربها ..كما يشرب السفنج الماء فتنكت فيه نكتة سوداء فلايزال يشرب كل فتنة تُعرض عليه حتى يسوَدّ وينتكس وهو معنى قوله (كالكوز مجخياً) ب= قلب أبيض قد أشرق نور الإيمان فيه وازهر فيه مصباحه..فإذا عرضت عليه الفتنة انكرها وردها فازداد نوره وإشراقه وقوته.والفتن التي تعرض على القلب هي أسباب مرضها,وهي:
1=الشهوات وتوجب فساد القصد والإرادة
2=الشبهات وتوجب فساد العلم واالاعتقاد
كالغي والضلال,,المعاصي والبدع،الظلم والجهل.. شهوات و شبهات
وقد قسم الصحابة رضي الله عنهم القلوب إلى اربعة ..كما صح عن حذيفة بن اليمان: القلوب اربعة:-قلب أجرد فيه سراج يزهر (قلب المؤمن)
-قلب اغلف (فذلك قلب الكافر)-قلب منكوس (المنافق) عرف ثم انكر وأبصر ثم عمي-قلب تمدّه مادتان (مادة إيمان و مادة نفاق) وهولما غلب الصفحات [1] [ 2]
|